المأزق الاستراتيجي الكبير : واقع الانكسار الامريكي، صدمة الخذلان الاسرائيلي، وانتصار الردع الإيراني "

بغداد : د. سلام عودة المالكي
بينما يترقب العالم اعلان ساعة الصفر والتي حددها الرئيس الأمريكي ترامب بضرب منشآت الطاقة الإيرانية خرج ليفاجئ الجميع بأن هنالك مفاوضات جيدة مع إيران لتمديد المهلة الزمنية خمسة أيامٍ أُخر ، مع نفي إيران لإجراء ايه مفاوضات معهم وفي هذا دليل ٌ واضح على أن الموقف الامريكي المرتبك اصبح يعاني بين مطرقة الانهيار الاقتصادي وسندان الفشل العسكري .
وهنا تبرز "خديعة المفاوضات" التي يسوقها الكذاب " ترامب " كطوق نجاة مزدوج محاولا امتصاص غضب الأسواق العالمية ، أضف الى الاعتراف الضمني نحو تغيير موازين القوى الذي يضع الحليف الإسرائيلي في مواجهة كابوس "الهزيمة الصامتة".
أولاً : بورصة النفط.. واشنطن في فخ "البرميل"
إذ تؤكد البيانات الاقتصادية أن لمجرد "التلويح" بضرب منشآت الطاقة الإيرانية ستكون هناك ارتدادات عنيفة ومؤثرة في الأسواق العالمية؛ حيث قفزت أسعار العقود الآجلة لنفط "برنت" بنسب مقلقة، وهو أمر ٌ يهدد بزيادة تكاليف الشحن والتأمين بنسبة 25% في الممرات المائية الحيوية.
من هنا ؛ يدرك ترامب أن الهجوم الفعلي على إيران سيتسبب بوصول سعر البرميل إلى مستويات "فلكية" تتجاوز 130 دولاراً، وهو ما يمثل انتحاراً سياسياً لإدارته التي تراهن على خفض التضخم .لذا ،جاءت إشاعات "المفاوضات" كأداة مالية لـ "تبريد الأسواق" قسرياً، ومنح الوسطاء مساحة للمناورة لمنع حدوث الصدمة التي قد تخرج السيطرة الأمريكية على اسواق الطاقة والاقتصاد العالمي . مع تلويح إيراني بأن الرد سيكون مزلزلاً في حال اقدمت واشنطن على تنفيذ هجومها على منشآت الطاقة الإيرانية.
ثانياً: الثبات الإيراني.. فالميدان قد فرض لغته
أظهرت طهران ثباتاً استراتيجياً يتجاوز لغة التهديد؛ فهي تنفي جملة وتفصيلاً حدوث مفاوضات تحت الضغط، معتبرة أن "خديعة المصطلحات" الأمريكية ليست إلا محاولة لسد العجز وتهدئة أسواق الطاقة العالمية التي أقبلت على الانهيار الفعلي ، والذي بأنت بوادره تلوح في الأفق . ومن منطلق القوة ترفض إيران العودة لأي طاولة لا تضمن رفعاً كاملاً للعقوبات واعترافاً بـ حقوقها السيادية، وحل مشاكل ساحات المقاومة في المنطقة مستندة في ذلك إلى واقع ميداني تحول لصالحها ولصالح حلفائها.
لقد دخلت المواجهة مرحلة "التفوق النوعي" لإيران ؛ حيث أثبتت الترسانة الصاروخية والمسيرات قدرتها على شل حركة الملاحة واستهداف العمق الاستراتيجي للخصوم، وهو أمر ٌ جعل ساعة الصفر الأمريكية تتحول إلى ساعة انتظار قلقة ، بانتظار مخرج دبلوماسي يحفظ وجه واشنطن قبل إعلان الهزيمة التاريخية .
ثالثاً: المأزق الإسرائيلي.. من "الردع" إلى "الهزيمة"
اما في الأوساط العسكرية الإسرائيلية، فهناك الشعور بـ "الخذلان الاستراتيجي"من موقف البيت الأبيض قد بدا واضحا . فبينما كانت تل أبيب تدفع نحو ضربة قاصمة، جاء التراجع الأمريكي تحت غطاء الدبلوماسية ليصيب نظرية الردع الإسرائيلية في مقتل. ويرى الجنرالات في "الكرياه" ( مقر القيادة العسكرية والسياسية في تل أبيب ) أن هروب ترامب نحو خديعة المصطلحات يعد "هزيمة استراتيجية كبرى"؛ وان عدم تنفيذ الهجوم يكرس واقعاً ميدانياً جديداً يتسم بـ "التفوق الإيراني وحلفائه". هذا الانكسار يعني أن إسرائيل باتت تدرك أن "المظلة الأمريكية" لم تعد قادرة على حمايتها من تداعيات قوة إقليمية فرضت معادلة "توازن الرعب".
الخاتمة الاستراتيجية: "مرحلة ما بعد القطب الواحد"
لقد دخلت الحرب مرحلة حاسمة فمن التصعيد الامريكي المدمر إلى إعلان "مفاوضات خلف الستار" من طرف واحد مع نفي إيراني بل يعتقد أنه جزء من حرب نفسية ومحاولة يائسة لخفض التصعيد العسكري والاقتصادي، لياتي التاكيد من داخل واشنطن فقد صرح المستشار السابق لبراك أوباما" ولي نصر " وهو أستاذ في جامعة جونز هوبكينز ليقول: "من المحتمل جداً أن ترامب لم يتحدث مع أي شخص في ايران، وهو فقط يشتري الوقت لنفسه ".
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو إعلان غير رسمي عن نهاية عصر الإملاءات العسكرية الأمريكية. وإن لجوء واشنطن لأسلوب "المراوغة وكسب الوقت" يعكس عجزاً استراتيجيا نحو تحقيق الأهداف،واعترافاً بأن محور المقاومة نجح في فرض نفسه كقوة فاعلة في معادلة "توازن الرعب الاقتصادي والميداني".
من هنا ؛ نحن أمام واقع جديد ،فإيران وحلفاؤها يمتلكون زمام المبادرة، بينما تغرق واشنطن في "فخ المصطلح"، لتبرير هزيمتها المدوية ناهيك عن إسرائيل التي تواجه حقيقة واضحة والمتمثلة بأن التفوق الميداني الجديد قد رسم بالفعل خارطة إقليمية لا مكان فيها للهيمنة المطلقة.

